مركز التحقيقات والدراسات العلمية في المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية
328
موسوعه أصول الفقه المقارن
اعتمد في استدلاله على رأيه على ما يظهر من الرواية من عدم نقض اليقين بالشكّ ، فهي لا تدلُّ إلَّاعلى ما ثبت استمراره إلى غاية من جهة الشرع ؛ تمسّكاً بأنَّ المراد من عدم نقض اليقين بالشك هو عدم النقض عند التعارض ، ومعنى التعارض هو أن يكون الشيء موجباً لليقين لولا الشكّ « 1 » . إلَّا أنَّ هذا الرأي عُدَّ ضعيفاً جداً ، ورُدَّ بردود كثيرة « 2 » . القول الثاني عشر : التفصيل بين ما ثبت بدليل عقلي ، وبين ما ثبت بدليل شرعي ممّا ذهب إليه الشيخ الأنصاري هو التفريق بين الحكم الشرعي الثابت بدليل عقلي ، سواء أكان حكماً عقلياً مستقلًا ، كحرمة الظلم ، أم حكماً شرعياً مستنداً إلى العقل ، مثل حكم الشارع بردّ الوديعة مع حكم العقل بهذا كذلك ، وبين الثابت بدليل شرعي تعبُّدي ، فلا يجري - بناءً على رأيه - الاستصحاب الثابت بدليل عقلي إذا طرأ ما يوجب الشكّ فيه كالاضطرار والخوف ، بدليل أنَّ موضوعه معلوم تفصيلًا للعقل الحاكم ، فإن أدرك العقل بقاء الموضوع في الآن الثاني حكم به حكماً قطعياً كما حكم أولًا ، وإن أدرك ارتفاعه قطع بارتفاع ذلك الحكم ، ولو ثبت مثله بدليلٍ لكان حكماً جديداً حادثاً في موضوع جديد ، أي أنَّه لا يدخل الشك والإجمال والإهمال في هذه الأحكام بقاءً « 3 » ، واختلافه مع الحكم الشرعي في احتمال كون الخصوصية الزائلة التي أوجبت الشكّ من الحالات الطارئة للموضوع بحسب النظرة العرفية وليست من مقوماته « 4 » . رُدَّ هذا بأمور : أولًا : يبتني هذا الرأي على أنَّ أحكام العقل تبتني على اكتشاف العقل خصوصية يراها مناطاً ويرى لها دخلًا في الحكم . وهذا المبنى غير صحيح ، فإنَّ الواقع قد لا يكون كذلك ، ومن المحتمل أنّ الحكم قد اعتمد خصوصيةً ومناطاً آخر ، فليس كلّ ما أدركه العقل من خصوصية هي المناط في الحكم ، فمن المحتمل أنّ تقبيح العقل للكذب ناشئ عن انعدام فائدة الكذب للكاذب ولغيره ، مع أنَّ من المحتمل كفاية ترتُّب الضرر على الكاذب وإن لزم منه حصول النفع للكاذب أو لغيره للحكم بالقبح عقلياً « 5 » . ثانياً : قد نسلِّم عدم جريان الاستصحاب في الأحكام العقلية المستقلة ، لكن لا نسلّمه في الأحكام الشرعية المستندة إلى العقل ، ومن المحتمل أن يكون ملاك الحكم الشرعي قائماً بالأعمّ من الواجد لبعض الخصوصيات ، التي أدركها العقل واعتبرها مناطاً للحكم ، فلا ينحصر هذا الحكم بالواجد لهذه الخصوصيات « 6 » . ثالثاً : دعوى أنَّ الأحكام العقلية كلّها مبيَّنة مفصَّلة لا مجال للشكّ فيها ممَّا لا شاهد عليها ، فمن المحتمل أنَّ العقل نفسه شاكٌّ في قبح الكذب غير الضار « 7 » . ويعاكس هذا الرأي رأي للمعتزلة ، إذ جوّزوا استصحاب الحكم المبني على العقل ، ولم يجوّزوا استصحاب الحكم المبني على الشرع . أوجب أبو الحسين البصري المعتزلي في مثال المتيمِّم
--> ( 1 ) . القوانين المحكمة : 281 . ( 2 ) . انظر : القوانين المحكمة : 282 ، فرائد الأصول 3 : 177 - 181 . ( 3 ) . فرائد الأصول 3 : 215 - 216 . ( 4 ) . مباني الاستنباط 4 : 45 . ( 5 ) . فوائد الأصول 4 : 321 . ( 6 ) . المصدر السابق : 322 ، 451 - 452 . ( 7 ) . فوائد الأصول 4 : 451 ، وانظر : مباني الاستنباط 4 : 48 - 50 ، الاستصحاب ( كوثراني ) : 151 - 153 .